بقلم أحمد عبدالعزيز.. العلمانييون يقولون: اعتنق الانسانية ثم اعتنق ما شئت من الأديان

وأنا أقول لهم:

إن الدين هو مصدر  الإنسانية في الأساس .. ولا تعارض بين الدين والإنسانية .. بل أن الدين هو الإنسانية ..
وأرد عليهم بما كتبته منذ وقت 

تأملت في الدين الإسلامي الحنيف ووصلت إلى خلاصة هامة ..
إن الدين الإسلامي الحنيف ينقسم إلى شقين:
شق العبادات
شق المعاملات

لو تأملنا في شق العبادات لوجدنا أن الله تعالى طلب من عباده أداء عبادات رمزية ترمز إلى إقرارهم بوحدانيته والاعتراف والإيمان به وبكتبه ورسله كافة ..
فمثلا طلب الله تعالى من عبده أن يحج مرة واحدة فقط في عمره كله .. وإن استطاع .. فلو قدّر الله لإنسان أن يعيش 70 عام .. فالمطلوب منه قضاء أسبوع واحد فقط في عمره كله يؤدي فيه مناسك الحج وإن استطاع .. وهذا شيء رمزي يرمز لطاعة الإنسان لربه ..
وطلب الله تعالى من عبده صوم 15 يوما فقط في العام وإن استطاع ( باعتبار أننا نصوم نصف اليوم فقط في شهر رمضان ) وفي عام مقداره 365 يوم ..
طلب الله تعالى من عبده أداء خمس صلوات فقط في اليوم لا يتجاوز وقتهم مجتمعين 20 دقيقة يوميا من أصل 24 ساعة ..
طلب الله تعالى من الإنسان الزكاة بمبلغ رمزي هو 2.5% فقط من إجمالي ما يدور عليه الحول أو العام من أمواله ..

هذه العبادات الرمزية جدا كَمّاً وليس كيفا والتي كلف الله تعالى بها الإنسان كرمز لإقرار العبد بوحدانية الله والاعتراف به وبكتبه وورسله كافة توصل لنا رسالة هامة جدا وبمنطق يدعو للتأمل .. يريد الله إيصال رسالة هامة من خلال جعل شق العبادات في الدين الإسلامي يقتصر على عبادات رمزية جدا كماًّ وعددا .. هذه الرسالة مفادها أن الدين الإسلامي لا يقتصر على شق العبادات فقط .. وإلا لكان الله تعالى كلف الإنسان بعبادات مضاعفة كأن يحج 10 مرات في عمره .. ويصوم 6 أشهر في العام مثلا .. ويصلي 50 صلاة في اليوم .. ويزكي بثلث ماله مثلا ..

ولكن الله تعالى يريد إرسال رسالة لنا من خلال فرض عبادات رمزية فقط على عباده - وبالطبع يستطيع الإنسان التقرب إلى الله تعالى بأداء عبادات أكثر من العبادات المفروضة الرمزية، وتسمى النوافل - ولكن فيما يتعلق بالعبادات المفروضة وهي كما ذكرت عبادات رمزية في من ناحية الكم وليس الكيف، فالله تعالى يريد إرسال رسالة لنا وهي أن الدين الإسلامي يحتوي على شق آخر وهو شق ( المعاملات ).
وقد جعل الله تعالى لشق المعاملات أهمية بالغة في الدين الإسلامي ووضع له حدودا صارمة جدا، وتوعّد من يعامل الناس بمعاملة سيئة ويؤذي غيره بعواقب وخيمة وعقاب أليم يصل لأن يأتي الإنسان يوم القيامة والعياذ بالله وهو مفلس من غير حسنات فيرمى في النار لأنه بلا حسنات حتى وإن كان في ميزانه جبال من حسنات جزاه الله تعالى بها نظيرا لأدائه العبادات المفروضة وما يزيد عليها من عبادات .. فيمحو الله تعالي هذه الحسنات ويزيلها من ميزان حسنات هذا العبد ..
سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه قائلا: أتدرون من المفلس؟ قالوا المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاته وصيامه وزكاته ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيقعد فيقتص هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقتص ما عليه من الخطايا أخذ من خطاياهم فطرح عليه ثم طرح في النار.
هذه الحدود الصارمة في الدين الإسلامي فيما يتعلق بمعاملة الآخر تظهر أن الإسلام دين شديد التحضر .. يضع ضوابط حاسمة وصارمة للغاية في كل ما يتعلق بمعاملة الآخر .. فينظم الحياة والمعاملات الاجتماعية بين الأفراد حتى تستقيم الحياة في المجتمع وتزدهر وتخلق أمة حضارية يسودها السلام والوئام والتراحم والترابط وهذا يؤدي إلى أمة قوية.

ومعاملة الآخر ليست مقصورة أو مشروطة بمعاملة مباشرة وجها لوجه تجاه هذا الآخر .. فليس من المفروض مثلا أن تحتك وتتعامل مع الآخر وجها لوجه، فليس من المشروط أن تشتم الشخص أو تسبه أو تضربه وجها لوجه، بل أن لمعاملة الآخر مفهوم أوسع وأشمل من مجرد التعامل المباشر .. فإن طُلِب منك مثلا أن تبني أو ترصف طريقا وشارعا ولم تقم برصفه بشكل مضبوط وبإتقان فإنك تتسبب أذى لمن يسير ويمشي على هذا الطريق .. فتكون قد آذيت الآخر وآذيت الآلاف والملايين من العباد وتسببت في ضرر لهم ..
والمعاملة أيضا لا تقتصر على معاملة الإنسان .. وإنما معاملة جميع خلق الله .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ) ..

نعم يريد الله تعالى إيصال رسالة هامة إلى الإنسان .. رسالة مفادها أن الدين الإسلامي يجمع بين شقين .. شق العبادات وشق المعاملات .. فإن أهملت شق العبادات تكون قد ارتكبت إثما عظيما.. وإن أهملت شق المعاملات وعاملت خلق الله بمعاملة سيئة وآذيتهم تكون ممن ينطبق عليهم والعياذ بالله وصف رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بال ( مفلس ) ..

ولنتأمل فيما يلي .. عندما آمن الناس بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم .. لم يؤمنوا به عندما رأوه يصلي ويصوم .. ولكنهم آمنوا به عندما رأوا معاملته مع الآخرين .. عندما عهدوه صادقا أمينا رحيما، فأسموه بالصادق الأمين .. وكم من المواقف والأحداث التي تفاعل معها النبي الكريم محمد بما فطر الله عليه قلبه من إسلام وإيمان من حسن المعاملة، فكانت سببا في هداية الله لكثير من عباده ممن رأوا حسن وخُلق النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

الأمر كالبناية المبنية التي تقوم على أساس وخرسانة .. ولكننا لا نستطيع العيش فيها بدون نوافذ وأبواب وحوائط .. هذا الأساس هو شق العبادات والذي من دونه لا بناء في الأساس .. وهذه الأبواب والنوافذ هي شق المعاملات والتي إن أهملناها أضعنا الأساس الذي قمنا بتأسيسه ..

أحمد عبد العزيز

تعليقات القراء